الجمعة، 19 أبريل 2013

فــــوع ياكركـــــوع ჯ أيتها الجميلة الرائعة .. إلي أين ؟ ( 02 - 02 ) / محمد هاشم عبد البارى / مقال متميز

رسائلنا من 25 - 30 يومياً / السبت : 10.06.1434 / الرسالة رقم ( 20 )
موقع بيت عطاء الخير الإسلامي
مجموعة بيت عطاء الخير البريدية

عداد زوار مجموعة بيت عطاء الخير البريدية

الأخ البروفيسور / محمد هاشم عبد البارى 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أيتها الجميلة الرائعة..

الى أين ؟

 

الأستاذ الدكتور محمد هاشم عبد الباري

^^^^^^^^^^^^

الجزء الثاني - 2

منذ ما يقرب من عامين دخلت أنا وصديق لي أحد المساجد لصلاة

العشاء،  وقبل الصلاة لفت نظري لوحة كبيرة منسوخة تحمل عنوان

ضخم يقول "عاوز تنجح ؟" وتحت العنوان ما يقرب من خمسة عشرة

نصيحة للنجاح.  هالني العنوان الضخم وغاظني وأثار حفيظتي.

فالعنوان الضخم بلغة عامية لا تليق بالمسجد أبدا.  والتفصيلات باللغة

العربية السليمة.  فلماذا لا تكون اللوحة كلها باللغة العربية؟ على

الأقل لغة الكتابة.  فنحن لسنا بصدد الإعلان عن فيلم سينمائي أو

إعلان تلفازي عن مواد تجميل.  وهل نحن نقنع من رواد المسجد من

التلاميذ والطلاب بمختلف مراحلهم الدراسية بمجرد النجاح فقط أم

ندعوهم للتفوق ؟!  من شدة غيظي أخرجت قلمي وكتبت على اللوحة:

"هذه اللغة الدارجة لا تليق بمقام المسجد.  فكان يجب أن تكتب بدلا

منها: "أتريد النجاح؟ أو هل تريد النجاح والتفوق ؟ أو هل تريد أن

تنجح ؟".  وكتبت اسمي كاملا ووظيفتي ومكان عملي.

أقيمت الصلاة وصلى بنا شاب لطيف ندىّ الصوت حسن القراءة.

بعد أن فرغنا من الصلاة سألت عن المسئول عن المسجد فقالوا أنه

غير موجود وأنّ ذلك الإمام الشاب يمكن أن يفيدني في أي طلب يخص

المسجد.  استدعيت الشاب الإمام برفق، فقد كنت أصلى جالسا على

أريكة خلفية، وسلمت عليه وحيّيّته على تلاوته للقرآن الكريم بصوت

جميل وتلاوة صحيحة،  ثم سألته عن عمله فقال أنه طالب في كلية

التجارة بالسنة الثالثة.  ثم سألته عن اللوحة ومن أنجزها فقال انه هو،

فشرحت له كيف كان يجب الحفاظ والتمسك باللغة العربية لغة القرآن

الكريم في المساجد على الأقل في الكتابة،  وأننا ينبغي أن نعلم الطلاب

في مختلف مراحلهم اللغة العربية واحترامها وحبها، وأننا لا يجب أن

نقنع بمجرد النجاح.  كل ذلك وهو يستمع ويحرك رأسه علامة

الإيجاب.  ثم قلت له أنه ينبغي أن يغيّر اللوحة ويصوغها بالعربية

الفصحى وبخاصة أنني كتبت عليها كذا وكذا.  هنا أخذته العزة وقال

بعصبية: "نصيحة بفضيحة ؟".  ثم أمر شاب آخر بنزع اللوحة التي

عليها ملاحظتي، وأحضر لوحة من نسخة أخرى منها  في الحال

وعلقها بدلا منها.  لقد اعتبر ذلك الشاب ملاحظتي التثقيفية التعليمية

التوجيهية الصارمة فضيحة، ولم يستح من كتابة اللوحة بلغة دارجة

هزيلة ركيكة في بيت الله فضيحة !!  وهو يعرف أنه لو كان طالبا

عندي وحدثته في ذلك الأمر لارتعدت فرائصه.

 

 

كان لدينا في مصر برنامج اسمه "لغتنا الجميلة" في الإذاعة القومية

المصرية (البرنامج العام).  لا أعرف إن كان  هذا البرنامج مستمرا

حتى الآن من عدمه، فأنا لا استمع إلا إلى إذاعة القرآن الكريم منذ

سنوات طويلة.  لا أعرف إن كانوا قد أوقفوا ذلك البرنامج إرضاء

لإخوانهم في إطار عمليات التركيع الذي يسمى بالتطبيع.  حتى نشرات

الأخبار لا أعرف كيف تقرأ في إذاعة البرنامج العام.  ولكنني أحيانا

وبطريق غير مقصود أصطدم بنشرة أخبار تلفازيه فأسمعهم وأراهم

يقرءونها باللغة العامية،  وبين كل خبر وآخر يتفرّس المذيع والمذيعة

في وجوه بعضهم البعض دون أن يستحوا من ملايين العيون التي

تشاهدهم.   من أين أتوْا بتلك السلوكيات؟  ولماذا تلك السلوكيات ؟

ولماذا تكون نشرة الأخبار بواسطة ذكر وأنثى معا ؟  ولماذا لاينفرد

رجل أو تنفرد سيدة بنشرة الأخبار؟  وهل نشرة الأخبار ثقيلة ومرهقة

لهذه الدرجة بحيث تحتاج إلى شخصين؟  وان كان الأمر كذلك فلماذا لا

يكونا ذكرين أو أنثيين؟  هل لا بد من التذكير بالغرائز حتى خلال نشرة

الأخبار التلفازية وغيرها من البرامج؟  ويتساءل بعض الأساتذة ممن

يحملون على الإسلام في جامعاتنا في المدرّجات حتى مع طلاب

وطالبات السنة الأولى الجامعية:

"لماذا التفرقة بين الطلبة والطالبات ؟  ولماذا ترتدي النساء الحجاب

؟  ولماذا ينظر الإسلام إلى المرأة نظرة شهوانية ؟"  أبالحجاب ينظر

الإسلام إلى المرأة نظرة شهوانية ؟

فبماذا إذن تسمى النظرة في الأغاني والحفلات التلفازية الماجنة

و"الكليبات" العارية والإعلانات الهابطة المليئة بالإيحاءات العاطفية؟

وغيرها وغيرها حتى في نشرات الأخبار؟

 

إنّ اللغة الهابطة لم تترك الصحف والمجلات والإعلانات وحتى

الملصقات وحتى الدعايات التي تكتبها إدارات المدارس على جدران

مدارسها.  إن اللغة الفاحشة هي ديدن الحوارات البذيئة في الأفلام

والمسلسلات.  حتى أصبحت العبارات وتعبيرات البلطجيين والمجرمين

والمدمنين والقوادين وتجار المخدرات من لوازم فروسية أبطال الأفلام

والمسلسلات وبطلاتها،  فضلا عن الإيحاءات العاطفية  ولن أتكلم عن

السلوكيات الماجنة .

 

 

وإذا ابتكروا برنامجا لغويا أو برنامجا دينيا أو مسلسلا دينيا يعرضون

الكلام والمتكلمين عرضا بطيئا (سلو موشان!)،  ويلوك الرجل كلامه

باللغة العربية في فمه قبل أن تخرج منه!  ويدفعك ذلك المتحدث دفعا

إلى التثاؤب وتتثاقل أجفانك وتدخل في سبات عميق !!

هل اللغة العربية لغة التماوت والاحتضار؟  هل إذا لم يتثاقل لسانك

وتتغالق جفونك وتتمسكن لن تعتبر شخصا مسلما متدينا؟!  هل كل من

يتحدث العربية الفصحى يجب أن يكون مريضا بالأنيميا المصحوبة

بمرض النوم؟  هل كل من يتحدُث العربية يجب أن يكون تحت التخدير؟

يا لسوء حظك بأبنائك أيتها اللغة العربية.

إن اللغة العربية لغة حيّة، والذين يتحدثونها يجب أن يكونوا أحياء.

ليسوا أحياء بمعنى الصخب ورفع الصوت، حتى قيل أن العرب ظاهرة

صوتية.  كلا إطلاقا، لماذا نتباطأ عندما نتحدث في الدين وعندما

نتحدث باللغة الفصحى ثم نكون أيقاظا ومحصحصين ونتحدث في

أفلامنا بسرعة الصاروخ بالبذاءات والوساخات ؟

اننى لا أتحدث في مدرجات الجامعة إلا بالعربية الفصحى بقدر الإمكان.

وأقول لتلاميذي دائما أن المسلم إذا تحدث أسمع وإذا ضرب أوجع.  إنّ

المسلم عندما يتحدث بالعربية لا ينبغي أن يكون في حالة احتضاركما

لو كان يتحدث من تحت الأنقاض.

إننا يكفينا أننا نقرأ القرآن.

 

إن الأكثرية الساحقة لايعرفون كيف يكتبون اللغة العربية.  فعلى سبيل

المثال يكتب الكثيرون "لاكن" بدلا من "لكن"، ويكتبون "جزاكى الله

خيرا" بدلا من "جزاك الله خيرا" بكسر الكاف عند مخاطبة الإناث.

إن ذلك للأسف يكون حتى بين المتدينين والمتدينات.  يحزنني أن يكتب

أولادنا وبناتنا رسائلهم الالكترونية باللهجة العامية حتى أن بعض

الإخوة طلبوا ترجمة الرسائل من اللهجات العامية المحلية إلى اللغة

العربية حتى يفهمونها!!  حتى في العامية لماذا يكتبون فى بعض

الدول العربية "يبّى" بدلا من "يبغى" ؟؟

 

إن أجيالا في كل أنحاء العالم العربي نشأت في ظل اهتراء اللغة

العربية، حتى أنهم لا يعرفون كتابة جملة كاملة مفيدة أو حتى التعبير

عن أنفسهم كتابة، ولو حتى بالعامية.  إنّ منهم من وصلوا إلى أعلى

المراتب في الدرجات العلمية حتى الأستاذية.  إنّ قطاعا كبيرا من

الخريجين في الجامعات يتحدثون جيدا باللغات الأجنبية ولا يستطيعون

التعبير ولا حتى الفهم باللغة العربية الفصحى!!

يأتينا كثير من خريجي مدارس اللغات الأجنبية في الثانوية العامة

للدراسة في الجامعة ويعجزون عن فهم المحاضرات باللغة العربية!

ويكاد أن يطير بهم ذووهم من الفخر والفرح!!!

يا لخيبة أملك في أبنائك أيتها اللغة العربية.  اننى لا أقول قولا أو

أعتنق مبدأ وأفعل ما يخالفه.  عندما كنت ألحق أولادي بالمدارس كانت

أمهم تقترح علىّ وترغب في إدخالهم مدارس لغات.  رفضت رفضا

قاطعا زاجرا.  أدخلتهم المدارس العربية المعتادة وواليتهم بالفصحى

منذ العام الثاني من ولادتهم.  هاهم بفضل الله تبارك وتعالى أطباء

متميزون وحفظة للقرآن الكريم ويجيدون العربية الفصحى والانجليزية

ويجيدون مهنتهم كل الإجادة.

 

 

إن من المضحكات المبكيات المبليات أن يجيد رئيس دولة عربية

التحدث بالانجليزية ويعجز عن التعبير باللغة العربية التي هو المسئول

الأول عن الحفاظ عليها ونشرها وتعليمها وصونها وتنميتها لدى

الرعية.  أذكر أن أحد رؤساء مصر الذين تداولوا السلطة ديموقراطيا

في الثلاثة عقود السابقة (المخلوع!) كان يخطب يوما في عيد

"العمال" وكان يقرأ ما كان مكتوبا له، وكان من عادته أن يخرج بين

الفينة والفينة عن النص ليقول "قفشة" أو مزحة أو غيره.   فخرج

في ذلك الخطاب عن النص وتعثّر في كلمة، فلم تسعفه لغته العربية

ولكن أنقذته ثقافته العالية جدا وغزارة اطّلاعه فقال: "آ آ آ

ايلابوريشن"، فصفق له "العمال"!

 

وأذكر أحد رؤساء مجلس الشعب الذين تداولوا رئاسة مجلس الشعب

للعشرين سنة الماضية كان وزيرا للتعليم، وكان قد ألغى السنة

السادسة الابتدائية وأربك المدارس والمدرسين والتلاميذ والآباء

والأمهات وجميع أجهزة الدولة حتى الآن، وأعيدت السنة السادسة

الابتدائية بعد سنوات من تركه لوزارة التعليم فأربكت أيضا جميع

أجهزة الدولة والثانوية العامة والجامعات وسببت ما يسمى "بسنة

الفراغ"(أحدهم)، كل ذلك وهو حيّ يرزق "ومن وسع"، ويتبوأ

أعلى مكان ومكانة نيابية تشريعية دون أن يطرأ على ذهنه أو قلبه

هاجس الاستقالة، وكان  رحمنا الله منه أستاذا مرموقا وفقيها في

القانون ومحاميا مفوّها بارعا في المحاكم، وكان يسنّ ويفصّل ويطرّز

القوانين في مجلس الشعب ويجعلها حادة قاطعة فاصلة ماضية نافذة

باترة ،  كان ذلك الفحل القانوني يقول في مجلس الشعب "سلاسة

نواب" بدلا من "ثلاثة نواب"!!  والفرق تعرفونه جيدا!

 

كنت معجبا برئيسة وزراء بريطانيا "مارجريت تاتشر" - برغم

كراهيتي للبريطانيين منذ حقبة الاستعمار العسكري- لأسلوبها في

الخطابة.  وبغض النظر عن كونها سيدة فهذا شأنهم وهى والملكة

كانتا تملكانهم، إلا أن صوتها في خطبها كان ذو نبرة رجولية، وكانت

مخارج حروف كلماتها واضحة وكانت فصيحة في انجليزيتها، تحترم

لغتها وكانت صارمة وكأنها قائد عسكري.  وهى بالفعل انتزعت جزيرة

"فوكلاند" بالقتال من الأرجنتين.  لم نسمعها مرة "انزنقت" في كلمة

عربية وانزلقت وقالتها لرعيتها.  لم نسمع عن رئيس أمريكي عجز

عن التعبير في خطاب فأفلتت منه كلمة عربية.  إلا حينما يخاطب

البلهاء من أمثالنا فيلقى خطابه بلغته ولكنه يستهله بالسلام "سلام

أليكم"،  فيلحس به عقولنا ويسرق به أفئدتنا الخاوية.  وينظر بعضنا

إلى بعض في عجب وتعجّب وإعجاب "يا سلام هل سمعته؟ انه قال

سلام أليكم "؟   ثم يدس لنا ذلك الخواجة السم الزعاف بعد "سلام

أليكم" تلك!

 

إن العار كل العار أن يستحى صاحب اللغة العربية من عدم إخراج

لسانه عند نطق حرفي th بالانجليزية،  بينما يستحى في الوقت نفسه

من  إخراج لسانه عند نطق الثاء والذال عند الكلام باللغة العربية.  ذلك

لأن معلم الانجليزية يعنّفه ويفضحه ويجعله يشعر بالعجز والخجل إن

لم يخرج لسانه في نطق ال  th، بينما معلم اللغة العربية لا يدقق معه

إذا لم يخرج لسانه عند نطق الثاء والذال في العربية.  بل إنّ معلم اللغة

العربية هو نفسه لا يهتم بذلك عندما يتحدث إلى تلاميذه والى غير

تلاميذه، بل وفى أغلب الأمر يستحى من إخراج لسانه في الثاء

والذال!!!  بل أنّ الكثيرين من رجال اللغة العربية يتندّرون باللغة

العربية.   بل أن الكثيرين يسخرون من رجال اللغة العربية وينظرون

إليهم نظرة دونية في الوقت الذي يخرّون فيه احتراما وتبجيلا وفخرا

وإعجابا برجال اللغة الانجليزية وغيرها.

أنا لا أنتقص من شأن أي مهنة ولا من شأن أي تخصص ولا من

شأن أي لغة.

إنما نحن نحتاج إلى البراعة في كل مهنة وفى كل تخصص وفى كل

لغة وفى كل شيء،  ولكنّ لغتنا العربية قبل كل لغة

وفوق كل لغة.

إن شعبا يهزأ من لغته ويستهين بها، ماذا تنتظر منه؟

وما هو مستقبله؟

وما هو مكانه وما هى مكانته بين الشعوب والأمم؟؟؟

 

إن لغتنا العربية هي عارنا

إن لغتنا العربية هي شرفنا

إن لغتنا العربية هي حرمنا

لقد انتهك شرفنا

وانتهك  حرمنا

ومن الذي انتهكه ؟

انه نحن!

 

اننى أعتبر أنّ من يفرّط في اللغة العربية ديّوث

انه يفرّط في عرضه ولا يغار عليه

إنهم يتكلمون بكل لسان أعجمي

ولا يستطيعون قراءة آية واحدة

ولا جملة واحدة

ولا كلمة واحدة

بطريقة صحيحة

من القرآن الكريم

إنهم يتكلمون بكل طلاقة بلغات أعجمية

وتلتوي ألسنتهم ويصيبها الخدر والعرج

عندما يضّطرون إلى إلقاء كلمة باللغة العربية

ملوكا وأمراء ورؤساء ومثقفون وعلماء وأفرادا

 

إنّ من يفرّط في لغة القرآن

كمن أنجب بنتا

وتركها تهيم في الشوارع والبلاد

لا يعرف

ولا يهمه أن يعرف ولا يريد أن يعرف

ماذا يفعل بها

 

لن أقول إنها لغة القرآن

ولن أقول إنها لغة حسابنا أمام الله

ولن أقول إنها لغة أهل الجنة

فهذا ما لا يخفى على أي مسلم

 

فقط سأرثى تلك اللغة بما رثاها به شاعرنا العظيم

حافظ إبراهيم

الذي آلمه حال لغتنا العربية

منذ نحو قرن مضى من الزمان:

 

رَجَـعْـتُ لـنـفـسـي فـاتَّـهَـمْـتُ حَصَاتي         ونـاديـتُ قَـوْمـي فـاحْـتَـسَـبْـتُ حَيَاتـي

رَمَـوْنـي بـعُـقْـمٍ فـي الـشَّـبَـابِ وليتني         عَــقُــمْــتُ فـلـم أَجْـزَعْ لـقَـوْلِ عُـدَاتـي

وَلَــدْتُ ولـمّـا لــم أَجِــدْ لـعَـــرَائـسـي          رِجَـــالاً    وَأَكْـفَــاءً    وَأَدْتُ   بَـنَـاتـي

وَسِـعْـتُ كِـتَـابَ الله لَـفْــــظَـاً وغَـايَـةً           وَمَـا ضِـقْـتُ عَــنْ آيٍ بــهِ وَعِـظِـاتِ

فــكــيـفَ أَضِــيـقُ الـيـومَ عَـنْ وَصْـفِ         آلَـةٍ وتـنـسـيـقِ أَسْـمَـاءٍ لـمُخْتَـرَعَـاتِ

أنـا الـبـحـرُ فـي أحـشـائِـهِ الـدرُّ كَـامِنٌ         فَـهَـلْ سَـأَلُـوا الغَـوَّاصَ عَـنْ صَدَفَاتـي

فـيـا وَيْـحَـكُـمْ أَبْـلَـى وَتَـبْلَـى مَحَاسِنـي         وَمِــنْـكُـم وَإِنْ عَـزَّ الـدَّوَاءُ أُسَـــــــاتـي

فــلا تَـكِـلُـونـي للـزَّمَـــــــانِ فـإنَّـنـي           أَخَــافُ عَـلَـيْـكُـمْ أنْ تَـحِـيـنَ وَفَـاتــي

أَرَى لـرِجَـالِ الـغَـرْبِ عِـــزَّاً وَمِـنْـعَـةً           وَكَــمْ   عَـــزَّ   أَقْـــوَامٌ  بـعِــزِّ  لُـغَــاتِ

أَتَــوا أَهْــلَـهُـمْ بـالـمُـعْـجـزَاتِ تَـفَـنُّـنَـاً         فَـيَـــــا لَــيْـتَـكُـمْ تَـأْتُــونَ بـالـكَـلِـمَـاتِ

أَيُـطْـرِبُـكُـمْ مِـنْ جَـانِـبِ الغَـرْبِ نَاعِـبٌ         يُـنَـادِي بـوَأْدِي فـي رَبـيـعِ حَـيَــــاتـي

وَلَـوْ تَـزْجُـرُونَ الـطَّـيْـرَ يَـوْمَـاً عَلِمْتُـمُ         بـمَـــــــا تَـحْـتَـهُ مِــنْ عَـثْـرَةٍ وَشَـتَـاتِ

سَـقَـى اللهُ فـي بَـطْـنِ الجَزِيـرَةِ أَعْظُمَـاً         يَـعِـزُّ عَـلَــــــــــيْـهَـا أَنْ تَـلِـيـنَ قَـنَـاتـي

حَـفِـظْـنَ وَدَادِي فـي الـبـلَـى وَحَـفِظْتُـهُ         لَــهُـنَّ بــقَـلْـبٍ دَائِــمِ الـحَـــــــــسَـرَاتِ

وَفَاخَرْتُ أَهْلَ الغَرْبِ ، وَالشَّرْقُ مُطْرِقٌ         حَـيَـاءً بـتـلـكَ الأَعْـظُـمِ الـنَّــــــــخِـرَاتِ

أَرَى كُــلَّ يَــوْمٍ بــالــجَـرَائِـدِ مَــــزْلَـقَـاً         مِـــنَ الــقَـبْـرِ يُـدْنـيـنـي بـغَـيْـرِ أَنَـــاةِ

وَأَسْـمَـعُ لـلـكُتّـابِ فــي مِـصْـرَ ضَـجَّـةً         فَــــــــأَعْـلَـمُ أنَّ الـصَّـائِـحِـيـنَ نُـعَـاتـي

أَيَــهْـجُـرُنـي قَـوْمـي عَـفَـا اللهُ عَـنْـهُـمُ         إِلَــى لُـغَـةٍ لــم تَـتَّـــــــــــصِـلْ بـــرُوَاةِ

سَـرَتْ لُـوثَـةُ الإفْـرَنْـجِ فِيهَا كَمَا سَرَى         لُــعَــابُ الأَفَــاعِـي فـي مَـسِـيـلِ فُـرَاتِ

فَجَـاءَتْ كَـثَـوْبٍ ضَــمَّ سَبْعِـيـنَ رُقْـعَـةً         مُــشَـــكَّـلَـةَ الأَلْــوَانِ مُــــــخْــتَـلِـفَـاتِ

إِلَـى مَـعْـشَـرِ الـكُـتّـابِ وَالـجَـمْـعُ حَافِلٌ         بَـسَـطْـتُ رَجَـائـي بَـعْـدَ بَـسْـطِ شَكَاتي

فـإمَّـا حَـيَـاةٌ تَـبْـعَـثُ الـمَـيْـتَ في البلَى         وَتُــنْـبـتُ فـي تِـلْـكَ الـرُّمُـوسِ رُفَـاتـي

وَإِمَّـا مَـمَـاتٌ لا قِــــــــــــــيَـامَـةَ بَـعْـدَهُ         مَـمَـاتٌ لَــعَـمْـرِي لَــمْ يُـقَـسْ بـمَـمَـاتِ

 

إنّ هذه اللغة العظيمة

 

لا تطلب منّا مالا ولا جاه

لا تطلب منا دينارا ولا دولارا

لا تطلب منا ذهبا ولا فضة

إنها لا تطلب منا أن نكون أربعمائة مليون نسخة من

امرؤ القيس، ولا عنترة بن شدّاد، ولا المتنبي، ولا

البحتري

إنها لا تريد إلا الحد الأدنى من الرعاية

حتى تظل على قيد الحياة

إنها لا تريد الإساءة فحسب

إنها لا تريد السفالة فحسب

إنها لا تريد الإسفاف فحسب

إنها لا تريد البذاءة فحسب

إنها تريد أن تعيش بيننا بكرامتها التي كرّمها ربها بها

إنها لا تريد إلا الحد الأدنى من الاحترام

إنها لن تتحمّل مزيدا من الإيذاء

إنها أوشكت أن تهجرنا، كما هجرناها، وترحل عنّا

ترحل عنّا وتتركنا مسوخا، بلا ملامح ولا هوية

إنها تتباعد عنا كما تباعدنا عنها

 

اننى أنادى عليها مرتاعا ملتاعا

دامع العين كسير الفؤاد وأقول:

 

أيتها الجميلة الرائعة ..

الى أين ؟

الى أين أيتها الغالية ؟

 

محمد هاشم عبد الباري

12 ذو الحجة 1431

18 نوفمبر 2010

           

موقع بيت عطاء الخير الإسلامي