فأوصيكم أيها الناس
ونفسي بتقوى الله؛ فاتقوا الله الذي خلقكم،
واستعينوا على طاعته بما رزقكم، فربُّكم جلَّت حكمته لم يخلقكم هملاً،
ولم يترك أمركم في هذه الحياة مهملاً، بل خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً .
{ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى*
ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى *فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى *
أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى }
القيامة 40-36
أيها المسلمون
إن طبيعة عصرنا تمنع الإسراف فى الطاعات٬ لقد تبرجت الأرضُ،
وبُعثرت الشهواتُ فى كل مكان ٬ والماهر الموفق، من احتفظ بدينه فى هذه المتاهات،
وحصل النهايات الصغرى فى اختبارها الصعب..
لكن بعض الناس قد يسرف فى إحدى الطاعات على حساب التقصير فى طاعة أخرى٬
والفرائض المكتوبة تشبه الوجباتِ التى يتغذى بها البدن ٬
لابد من احتوائها على عناصر منوعة.
فقد يمرض الجسم لأنه استكثر من عنصر، وحُرم من عنصر آخر..!
رُوي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ،
[ أن ثلاثة نفر جاءوا إلى بيوت النبى صلى الله عليه و آله وسلم يسألون عن عبادته ٬
فلما أخبروا بها ، كأنهم تقالوها –أي عدوها قليلة- و قالوا: أين نحن من النبى ؟
قد غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر !
قال أحدهم: أما أنا فأصلى الليل أبدا ٬ وقال الأخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال الأخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا..!
فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلمإليهم فقال:
( أنتم الذين قلتم كذا و كذا ؟ أما و الله إنى لأخشاكم لله و أتقاكم له.
و لكنى أصوم و أفطر ٬ و أصلى و أرقد ، و أتزوج النساء.
فمن رغب عن سنتى فليس منى ) ]
أحبتي في الله
وعند التأمل فيما قطعه هؤلاء الثلاثةِ على أنفسهم، نجد أن تدينهم ناقص،
وأنهم سلكوا طريقا يهدم الحياة ولا يبنيها ٬ ويفسدها ولا يرشدها..!
ماذا تكسب الدنيا من رجل ترهب واعتزل النساء؟
إن سلسلة الحياة من لدن آدم عليه السلام ستنقطع عنده فلا أثر ولا عقب!
وقد تكون معاناته فى تربية ولد أزكى عند الله،
وأربى فى الدنيا من هذا الحرمان الذي لاطائل من ورائه..
وماذا كسبه الصائم أبدا؟ وفر طعامه لغيره، وأعجز نفسه عن الكدح والجهاد.
إن قدرته على مقاومة الباطل وهو شبعان، أشرف من عجزه عن الكر والفر وهو محروم.
وهذا الذى فرض على نفسه قيام الليل ٬ هل ينام النهار ٬
ويقصر فى تجارته أو فى فلاحته؟.
أيها الإخوة الفضلاء:
عندما يكون الكفر أقدر على قيادة الحياة من الإيمان فقد ضاع الدين!
ولم يغن ركوع ولا سجود! إن هؤلاء الثلاثة مثال للقصور العقلى واضطراب المنهاج،
ومثال لكراهية الحياة ولمحاربة الجسد٬
ومثال للفشل فى اكتشاف أسرار الكون واستغلال قواه!
ولعاقل أن يسأل: أين فى هذا التدين مكان للملكات الأخلاقية المتوهجة فى المنهج الإسلامى؟
والتى وردت نماذج لها فى
قوله تعالى :
{ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً *
وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً }
الإسراء 36-37
لقد وضع القرآن الكريم هذه الخلال تحت عنوان الحكمة
فقال عز و جل :
{ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ
وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً }
الإسراء 39
إن هذا التدين الجامح فى ناحية٬ المنكمشَ فى أخرى، يفتقد للميزان الضابط للحقائق،
والذى أشارت إليه
الآية الكريمة قوله تعالى
{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }
الحديد 25
أيها المؤمنون
إن الغلاة والمتطرفين لا يعدلون مع أنفسهم ولا مع الناس٬
والخلل فى أحكامهم شديد الحيف والإنحراف٬
ثم إن الإسراف فى بعض العبادات يتبعه غالبا قصور فى فهم الدنيا،
وتطويع علومها لخدمة الدين. وذلك ما جعل الخوارج قديما،
وأشباههم فى عصرنا، أبعدَ الناس عن الطب والهندسة، والاقتصاد والسياسة ٬
ولذلك لم تصح لهم سلطة ولا بقيت لهم دولة !!!
بل عجزوا حتى عن تكوين بيوت سعيدة.
روى البخارى رحمه الله :
أن النبى عليه الصلاة والسلام آخى بين سلمان الفارسى وأبى الدرداء،
فزار سلمانُ أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة- أى فى ثياب رديئة- فقال لها: ما شأنك؟
قالت: أخوك أبو الدرداء ليست له حاجة إلى الدنيا! فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما.
وقال له: كل فإنى صائم! قال: ما أنا بآكل حتى تأكل معى ٬
فأكل.. فلما جاء الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم، فقال له سلمان: نم! فنام.
ثم ذهب يقوم فقال له: نم فنام ٬ فلما كان آخر الليل قال له سلمان:
قم الآن ٬ فصليا جميعا. ثم قال له سلمان: إن لربك عليك حقا ٬ وإن لنفسك عليك حقا ٬
وإن لأهلك عليك حقا ٬ فأعط كل ذى حق حقه!
فأتى أبو الدرداء النبى صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له
فقال النبى صلى الله عليه و سلم:
( صدق سلمان )
معاشر المؤمنين :
إن لتعاليم الإسلام ميزانا يعرفه أهل الفقه٬ وسنفقد اتزاننا إذا لم نعرف هذا الميزان .
إنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث، ويرفض إحراج النفوس بحظر ما تشتهى،
وإلزامها العنت وتكليفها مالا يطاق.
و فى ذلك يقول جل شأنه
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ
وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *
وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ }
المائدة 87- 88
غير أن فريقا من أتباع الأديان حاد عن هذا التوجيه السديد ورأى أن يعيش على الشظف ٬
ويبتعد عن اللذائذ ويألف طريق الزهد والخشونة!!.
هل هذا المسلك يرضى الله حقا؟ كلا والله،
إنه رهبانية ابتدعها عباد الهنود وانتقلت منهم إلى كهان النصارى ٬
وتاريخها حافل بالسيئات والمخازى. ولإرضاء الله منهج آخر.
إن هذه الدنيا مخلوقة لنا كما قال تعالى
{ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }
البقرة 22
فلماذا نرفض هدية الله ٬ ولا نقبلها منه شاكرين مقدرين ؟
ومشاعر الود والتراحم بين رجل وامرأته يتعاونان على طاعة الله فى هذه الدنيا ٬
ويخلص كلاهما لصاحبه، أشرفُ عند الله من مترهب يحترق بنار الرغبة ولا يستريح أبدا ٬
إلا أن يسرق اللذة من هنا أو من هناك!.
و بعد – حفظكم الله -:
فإن الدين ليس تعذيبا أحمق ،
وليس اختراع أمور يعبد بها المرءُ ربه ما أنزل الله بها من سلطان.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :
{ قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً
قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ *
وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ }
يونس 59-60
بارك الله لي و لكم فى القرآن الكريم و نَفَعني الله وإيَّاكم بالقرآنِ العظيم
وبهديِ محمّد سيد المرسلين صلى الله عليه و سلم ،
وأقول قولي هَذا، وأستَغفر الله لي ولَكم و لجميع المسلمين
فأستغفروه أنه هو الغفور الرحيم